السيد نعمة الله الجزائري
223
الأنوار النعمانية
مثله ويكون مصرف هذا أهله فإنهم أحق به من الغير والّا فلا يكون مصرف مثل هذا الّا في الأمور الحقيرة البعيدة من الشرع . ويجب على الوالي الوجوب العيني وهو أهم ما يجب عليه العدل وحياطة الرعية قال انوشيروان حصّن البلاد بالعدل فهو سور لا يغرقه ماء ولا يحرقه نار ولا يهدمه منجنيق وكان كسرى إذا جلس في مجلس حكمه أقام رجلين عن يمينه وشماله وكان يقول لهما إذا زغت « 1 » فحرّكوني ونبّهوني ، فقالا له يوما والرعية تسمع ايّها الملك انتبه فانّك مخلوق لا خالق وعبد لا مولى ، وليس بينك وبين اللّه قرابة انصف الناس وانظر لنفسك . وقال بعض الحكماء إذا ولّيت ولاية فايّاك وان تسعين في ولايتك بأقاربك فتبتلي بما ابتلي به بن عثمان بن عفان واقض حقوقهم بالمال لا بالولاية ، وحمل بعض عمّال انوشيروان اليه في بعض السنين ثمانين ألف درهم زيادة على الموظف المقرّر ، فسأله عن ذلك ؟ فقال وجدت في أيدي قوم فضلا فأخذته منهم ، فقال ردّوا هذا المال على من اخذ منه فان مثلنا في ذلك كمثل من طين سطحه بتراب اسا بيته ، فيوشك ان يكون ضعف الأساس وثقل السطح مسرعين في خراب بيته . وفي الحديث من ولي من أمور المسلمين شيئا ثم لم يحطّهم بنصحه كما يحوط أهل بيته فليتبوّأ مقعده من النار ، وروي أيضا انه إذا كان يوم القيامة يؤتى بالوالي فيقذف على جسر جهنم يأمر اللّه سبحانه الجسر فينتفض به انتفاضة فيزول كل عظم منه عن مكانه ، ثم يأمر اللّه تعالى العظام فترجع إلى أماكنها ثم يسأل فأن كان مطيعا أخذ بيده وأعطاه كفلين من رحمته وان كان للّه عاصيا أخرق به الجسر فهوى به جهنّم مقدار سبعين خريفا . وفي الرواية انّه كان في زمن بني إسرائيل سلطان ظالم فأوحى اللّه سبحانه إلى نبي من أنبيائه أن قل لهذا الظالم ما جعلتك سلطانا الّا لتكف أصوات المظلومين عن بابي ، فوعزتي وجلالي لأطعمنّ لحمك الكلاب ، فسلّط عليه سلطانا آخر حتى قتله فأطعم لحمه الكلاب . وروي أن كسرى صنع طعاما فدعى الناس اليه ، فلمّا فرغوا ورفعت الآلات وقعت عينه على رجل وقد أخذ جاما له قيمة كثيرة ، فسكت عنه وجعل الخدم يرفعون الآلات فلم يجدوا الجام ، فسمعهم كسرى يتكلمون فقال ما لكم ؟ قالوا فقدنا جاما من الجامات فقال لا عليكم أخذه من لا بردّه وأبصره من لا ينمّ عليه فلمّا كان بعد ايّام دخل الرجل على كسرى وعليه حلية جميلة وحال مستجدة ، قال له كسرى هذا من ذاك ؟ قال نعم ، ولم يقل له شيئا .
--> ( 1 ) أي ملت عن الحق .